14‏/1‏/2012

الحراك السوري.. من تبعيّة التسلّط إلى سلطة الإبداع الإنساني

| |


في بدايات القرن الثامن عشر، وقف الملك لويس الخامس عشر مخاطباً أعضاء البرلمان الفرنسي :
في شخصي وحده تجتمع السلطة، ولي وحدي تعود السلطة.. دون منازع أو حسيب، النظام يستمدّ وجوده من وجودي، أنا حاميه الأول، أنا وشعبي واحد، حقوق ومصالح الأمة التي يريدون فصلها عن الملك، هي -بالضرورة- متّحدة بحقوقي ومصالحي أنا، ولن ترتاح إلا بين يديّ أنا".

قد لا يختلف كثيراً خطاب الملك لويس، عن معظم خطابات الدكتاتوريات العربيّة المعاصرة - نظام الأسد نموذجاً-، فهذا التسلّط، ولّد لدى هذا النظام الدكتاتوري والطغمة الحاكمة، الألوهية المتوّجة بالمنعة والسطوة، وما يتبعها من عبودية وطاعة الشعب لهم، ومن هنا فإن هذا التسلّط ولّد لدى الكثير من الأفراد، الإيمان المطلق والتسليم بأن الدكتاتور الأسد - الأب والابن على حدٍ سواء- ليسوا ذات طبيعة بشريّة، فهم إما أن يكونوا آلهة، أو أبناء آلهة.
ولا يمكن لأحد أن ينكر أن الأسد خلال عقودٍ أربعة من الدكتاتورية قد نجح فعلاً بخلق سلطته الخاصّة - السياسية والدينية والشرعية - وتوريثها، فهو حتى يستطيع أن يقود هذه الأفراد كقطيع، كان لا بدّ له من تطويعهم بطغيان حاشيته المستبدّة، والمنتقاة بعناية فائقة، كما كان لزاماً عليهم أن يعملوا بكلّ جهدهم وبأي ثمن لإبقاء النسبة العظمى من الشعب لا تتعدى كونها رعيّة جاهلة، إضافة إلى خلق هوّة في التباين الطبقي بين الفئة الحاكمة التي تملك كلّ شيء، والفئة المحكومة التي لا تملك سوى الانصياع والطاعة.
وطالما كان لهذه الديكتاتورية، الانفراد والصلاحية التامة، بالتلاعب بالسلطة، فقد كانت "سيادة الدولة"، هي نقطة الارتكاز لدى الأسد في تطويع شعبه، مكافئة أفراده، أو معاقبة من ينتهج فكراً مغايراً لمنهج سلطتهم، سواءً كان ذلك بالاعتقال والتعذيب لسنينٍ عديدة، أو حتى بالقتل والإعدام، حفاظاً على شيءٍ واحد إعلامياً : سيادة وخصوصية هذه الدولة.
اليوم تحديداً، يأتي هذا التداخل بين مفهومي السلطة والتسلّط، ليأخذ طابع إشكالية تتميز بالأهمية والخصوصية، وتتجسد هذه الأهميّة كونها تعتبر من أهم الخطوط الفاصلة سياسياً واجتماعياً، كالفصل بين الحرية والعبودية، أو العدالة والظلم، أو الخير والشر.. الخ
هذا الخط الذي لطالما سعى الأسد لمماهاته ضمن سيادة الدولة، فلطالما كان يسعى إلى طمس إدراك الشعب لحقّه في أن يكون ضمن منظومة اجتماعية إنسانية تسعى إلى تحقيق العدالة، تزيل كافة صور العبودية والقهر، وتخلق التوازن بين الحريّة الإنسانية، وسلطة الدولة، وتطويع الدولة للشعب بعكس ما كان يجري حتى وقت قريب.
أما منذ عشرة شهور، وحتى اليوم، والشعب السوري يومياً يثور على كلّ شيء تقريباً، -ابتداءً بثورته على الطائفية والتبعية والرمزية والألوهية؛ مروراً بدفاعه عن حقوقه،الحرية والتعددية السياسية والحزبية والإثنية والمدنية؛ وانتهاءً بثورةٍ شاملة على "التسلّط على السلطة"-. ولا ينفكّ هذا الشعب يثبت للعالم أجمع، ويثبت لنفسه، والأهم من ذلك يثبت للنظام أنّه يعيش حرّاً، رغم الدموية المفرطة بحقه.
لقد كاد - إن لم يكن نجح أصلاً-  الشعب السوري خلال عامٍ واحد تقريباً من أصل واحد وأربعين عاماً من التسلّط ، أن ينتزع السّلطة من السلطان، ويطوّعها من جديد لخدمة الإبداع الإنساني.
فيما كانت تشهد الساحة السورية، انفجارات عديدة بالمواهب معظمها من الفئة الشابّة، يعلو فيها صوت القيمة الإنسانية على صوت رصاص آلة القتل ومواء مدافع دباباتها.
والمراقب للحراك السوريّ، بالتفاتة بسيطة نحو لافتات كفرِنبِل، أو مغسل حمص للدبابات، أو إلى الثوّار الصينيون.. أو حتى إلى الإبداع الغرافيكي الحاضر دائماً على اليوتيوب.. يستطيع أن يدرك ذلك.
أما هذا الشعب - الإنسان، رغم مئاتٍ من الأخطاء المرتكبة منه - وقد أكون أحد مرتكبيها- يستحق الاحترام لعقودٍ مديدة قادمة، وهذا الإنسان ذاته، يطمئنني أنه حين يسألني أحد أطفالي بعد عدة عقود عمّا حدث في بلادي.. أني لن أقول له : "إنهم الإخوان يا بابا".
و"الشعب المبدع لا يحكمه أحد.. الشعب لن يُذلّ" بعد اليوم".

0 تعليقات:

إرسال تعليق