أنا هنا أفطر على صوتِ مدفعٍ ينخر في رأسي.. أما أصدقائي هناك.. فلا أدري كيف يعرفون على صوت أي مدفعٍ يفطرون!!
أصدقائي الجرحى، الذين لم تكفهم جراح 30 عاماً، ها هم اليوم، القتلة نفسهم يعيدون غمد سكاكينهم ليعمّقو فيهم تلك الجراح مجدداً.. بوحشيةٍ أكبر، وأعذارٍ أقبح.
والمخجل والمعيب والمحزن أن نرى جزءاً كبيراً في المجتمع السوري يتعامل معهم بحقد، وكأن حماة هي أحد أزقة تل أبيب. متناسين أن ما تمّ في ثمانينات القرن الماضي لردع العشرات أو المئات من "جماعة الإخوان المسلمين" ذهب ضحيّته عشرات الآلاف من الأبرياء.
ما يتكرر اليوم في حماة يجعل -من لم تشأ له الأقدار أن يكون في ذلك الوقت-، أن يشعر بأنه كان هناك، ويعرف تماماً ما حصل، يعرف تلك المؤامرة ماذا جلبت - ولا زالت - للعالم، مقابل أحقادٍ، ورغبة نظام فاشيّ في البقاء.
حين اندلعت الثورة.. منذ 5 شهور تقريباً.. كان معيباً على الكثيرين ( ومنهم أنا ) أن يتأملوا خيراً بصدق نوايا النظام، متناسين أنه وإن تغيّرت الوجوه.. كالرئيس او الوزراء.. فإن آلة القتل لم تزل هي نفسها بذات الوجوه، والدمويّة ذاتها.
وعلى الرغم من أنني اليوم، وبشكل شبه يوميّ أنزل إلى الشارع، لكن أشعر ضمنياً بأن مسؤولية وجود شهداء اليوم والأمس تقع على عاتقي، رغم كل محاولاتنا الحثيثة لفعل شيء ما، يدفعني شعورٌ خانقٌ بالعجز لأن أتحمل مسؤولية صمتي في مرحلة ما، ومسؤولية كلّ الضحايا الذين سقطوا.
هل ندرك.. -بغض النظر عن مواقفنا السياسية واتجاهاتنا الفكرية- كم رصاصةً يساوي صمتنا ؟ هل ندرك يوماً أن هذا الصمت كان يدعم القتل أكثر مما تدعمه مؤسسات رامي مخلوف /اقتصادياً/ مثلاً ؟
وهل سندرك في النهاية.. أننا نحن من كنّا نقتل الأبرياء بوحشيّة صمتنا المتخاذل؟
لست أطالبكم بالنزول إلى الشارع، ولا أنا أمنع عنكم حبّ شخصٍ أنا لا أحبه، إنما أذكركم بأن الساكت عن الحق.. شيطانٌ وجزّار وسفاحٌ وقاتلٌ ومجرمٌ أخرس... سيأتي اليوم الذي يقول فيه لأطفاله : حين أسر القيدُ آباؤنا.. وحين كسرهُ أبناؤنا... كنا قطيعَ نعامٍ في هذه المذبحة.
الحريّة لهذه الضمائر الميّتة

0 تعليقات:
إرسال تعليق