ثقافة الضحية في الأسطورة
المسلّم به، في قصة خلق أدم وحواء (كما تم ذكرها في القرآن الكريم، والكتاب المقدّس) أن الله خلق آدم، ثم خلق له حواء، وكانا في الجنة كلاهما ( الجنة التي تم تصويرها بما يشبه الأدغال)، اشتهت حواء التفّاحة المحرّمة واقتسمتها مع آدم، ونتيجة لعقاب الله لارتكابهم ذنب "الإتيان بما نهى الله عنه" كان انتقالهما من الجنة (الأدغال) إلى الأرض (السهول والوديان)، فأصبح آدم – كونه الذكر – مجبراً على الزراعة حتى يؤمّن الطعام، وتلك كانت بداية العصر الزراعي الأول.
اليوم، في البحث في الأسطورة الدينيّة، نجد أن قصّة آدم وحوّاء ( وبعيداً عن مضمونها الديني) هي ميثولوجيا،والتي أصبحت معروفة لدينا جيداً أنها حادثة تاريخية أكيدة كانت حقيقة يوماً، لكن تداخل عناصر الرواية والخرافة من جهة، وحاجة البشرية إلى وجود "الراعي" من جهة أخرى، أدى إلى وصولها إلى عصرنا هذا بشكلها الحالي –أي كنص مقدّس- ممّا حوّلها من روايةٍ عاديّة، إلى أسطورة خرافيّة.
يذكر في الكتاب المقدّس أن الأفعى هي "أحيَل" الحيوانات، والحيلة أخت الحكمة، بدليل أن الحكمة في رواية آدم وحواء تمثّلت بالأفعى، ويذكر الكاتب المصري "سيد قمني" في كتابه "منابع سفر التكوين" أنه في سومر جنوبي العراق تم اكتشاف ختم أسطواني يعطينا عند دحرجته على الرمال تصويراً واضحاً لقصة آدم وحواء ، حيث يتشكل لدينا أفعى - أنثى تمد يدها وفيها حبّة تمر - شجرة نخيل - ذكر يمد يده مستقبلاً شيئاً ما – التمرة- .
وبعد سفر التكوين، أتى قابيل وهابيل، وأستطيع الجزم هنا بأن هذه القصة أيضاً ليست اختراعاً توراتيّاً كما قصة آدم وحواء، بل هي بشكلٍ أو بآخر تجسيدٌ للصراع الذي كان ولا زال يدور بين الراعي والمزارع ( وأقول المزارع في تلك المرحلة نظراً لأنه لم يكن موجوداً حينها سوى العصر الزراعي الأول )، والنتيجة التي كانت تحسم دائماً بانتصار الرّاعي بالقوّة على المزارع.
أما قتل قابيل على يد هابيل، فما هو إلا لجعل قابيل في الأسطورة شهيداً أو ضحية تتباكى عليه البشرية، فتكتب له الخلود، بينما يبقى هابيل مذلولاً لدى البشرية، وينال كراهية الجميع، وبذلك تنتصر الحضارة البشرية.
في العصور القديمة، كان تمّوز في روايات آشور وبابل؛ أعظم الآلهة، لذا كان لزاماً عليه أن يموت، حتى تنتصر الحضارة بتخليده بالذاكره، أيضاً.. يسوع عند المسيحية هو إله؛ وعليه أيضا أن يموت حتى يكلل مسيرة انتصار الحضارة، والحسين عند الشيعة.
كما كان إبراهيم، مضطراً ليختار ابنه ليضحي به – وهنا تجدر الإشارة إلى أن هناك صراعاً بين الإسلام واليهود بنسب ابن ابراهيم الذي أٌريد التضحية به، فالمسلمون يعتقدون أنه اسماعيل بينما اليهود يعتقدون أنه إسحاق- وعلى الرغم أن التضحية لم تتم، إلا أن الابن قد جلس على المذبح، وكان ضحية للحظات قبل أن يأتي أمر الله، وهذا كان كافياً لتخليده.
ثقافة الحزن والكره، هي ثقافة موجودة بنشوء الأنظمة الشمولية منذ القدم، كما ذكرتُ سابقا ( تموز وأدونيس والحسين ويسوع.. الخ). إلّا أنّ المسيحيون قد استطاعوا تشذيبها وضبطها، ليكتفوا بالجناز والسلام، كون المسيحية اليوم لم تعد ذلك النظام الشمولي الذي كانت تملكه حين كان نظام التشريع الكنسي، الذي يتبع الكنيسة الكاثوليكية الحاكمة في أوروبا.
لذا منذ وجود الضحية قابيل، وحتى يومنا هذا، البشرية تمجد الضحايا الذين مرّوا عليها، مع اختلاف الزمان والمكان والأسلوب... واتفاق الفكرة.
أخيراً: المشكلة – ليومنا هذا – ليست فقط بتقديس الضحيّة، بل هي تجاوزتها حتى أصبحت واجباً على كل شخصٍ أن يكون مسعاه وهدفه هو نهاية كـ ضحيّة، ليتمّ تخليده، والتفاخر والتمجيد به، حتى أولئك الأبطال، الذين انتصروا للخير دون أن يكونوا ضحايا فلم يحظوا بذات التمجيد الذي حظي به البطل الضحية. أمّا القتلة – هابيل أنموذجاً – فإن خلودهم هو لذمّهم فقط.
يتبع بالحديث عن التنقل اللغوي ودوره في تحويل الأسطورة - الحقيقة - إلى ميثولوجيا روائية
يتبع بالحديث عن التنقل اللغوي ودوره في تحويل الأسطورة - الحقيقة - إلى ميثولوجيا روائية
3 تعليقات:
دائما ما تكون الأفكار الدينية مادة خصبة للدراسة والتأويل وفي ربط الأحداث والأفكار متعة ما بعدها متعة
بخصوص قضية أدم وحواء لا أجد فيها تجسيداً لمفهوم التضحية بل أقرب لنموذج الاختيار الحر مع تحمل النتائج ، كذلك الأمر في قضية قايين وهابيل فإن امتدت لمرحلة القتل إلا أن فعل القتل لم يورد بشكل تضحية بدماء كفعل أضحية او فداء
أعتقد ان دائرة الأديان مع تكريس الضعف تتجسد في نواحي أخرى لا في الأضحية واراقة الدم لإرضاء الإله بمخلف أشكاله والتصورات المتشكلة حوله
اخذت الديانات الابراهيمية مبدأ تقديم الحياة كضحية ( والذي وجدته مكرّس بشكل أوضح في الثقافة اليونانية ) وربطت بينه وبين أجر الخطيئة الموت وبالتالي على المخطأ تقديم ذبيحة فك دم يضحي بها .
قيمة التضحية بالدم ما زالت الأديان الابراهيمية متمسكة فيها بطريقة أو بأخرى فنجدها لا تزال محافظة على شكلها الحرفي كما في اليهودية ( احتفال عيد العبور اليهودي ) وفي عيد الأضحى الإسلامي ، او على شكلها الرمزي كما في الصلاة الكنسية الاسبوعية ( اشربوا من كأس دمي المهراق عنكم لمغفرة الخطايا )
اعتقد انك أثرت الكثير من النقاط التي تستحق الوقوف امامها بشكل مفرد وتفصيلي كل واحدة منها على حدى
تحياتي جبرا، للأسف كان التمحّص والتدقيق والتفكّر في الأمور الدينية لعقود عديدة أمراً غير وارد لدى البشر ( وأظن العرب تحديداً.. وتنخفض النسبة لدى اليهود ثمّ المسيحية وأخيراً الإسلام ).
قضية آدم وحواء هي بالتأكيد ليست المقصودة بمفهوم التضحية لدى البشر، إنما كانت مجرد مقدمة للدخول إلى أول مظاهر التضحية من المنظور الديني ( قابيل وهابيل )، أما قابيل وهابيل، هم طبعاً لم يقتل أحدهم الآخر كقربان أو أضحية للرب، لنعتبر أن حادثة القتل وقعت بسبب الغيرة، الحسد، حبّ السيطرة، الطمع، الجشع.. الخ، إلا أن القضية هنا فيما بعد قابيل وهابيل، هم ليس لهم ذنب في نشوء هذا المفهوم الذي يتجسد في تقديس الضحيّة.
ما أحاول أن أافكّر، وأحلّل، أو النتيجة التي أحاول الوصول إليها، هو ما هي المتعة أو المغزى أو القدسية التي تتجسد في تقديس وتفضيل الضحيّة على الطرف الآخر، كما ذكرت أيضاً ، قابيل لا أظنه قدّم بالشيء الكثير للبشرية ، فيما مرّ الآلاف من الأبطال الذي رفض قدرهم أن يكونو ضحيّة، فلم يتم تخليدهم وتقديسهم بقدر ما تم تقديس الضحايا.
الديانات الإبراهيمية، إذا أردنا الابتعاد عن كلمة ديانة، أظنّها أيضا عبارة عن جماعة تشكّلت لديها مبادئ وأفكار وقيم وفضائل قامت عليه، تتجسّد أحد أشكال طاعة الراعي فيها بالقرابين والتضحية بالدماء، وهذا ما أعتقده - برأيي - أنه شكل من أشكال ثقافة الحزن والغبن التي تولّدت.
أنا بانتظار تعقيبك، لنتوقف عندها نقطة نقطة، علّنا نفهم هذه الطبيعة التي نشأت
تحيّاتي
إلى حد ما
التدقيق بالأمور الدينية دائما ما يورد بشكل ( نقض ) او بشكل ( كشف المستور ) ويأخذ منحى كلام الحق المراد به باطل علأقل على مستوى البحث العربي
أعتقد ان التضحية تقرأ ضمن هيكلية الانكسار للخالق الأعظم
انكسار يصل لمرحلة تحقير الذات والشعور بالذنب بشكل مستمر والبحث عن طريقة ارضاء والمضحك انها تأخذ في بعض الأحيان منحى الالتفاف على الله والضحك عليه بعض الشيء كاللاعب الذي يستفيد من قوانين اللعبة لافتعال بعض اللحظات غير الشرعية
انصحك قراءة فقرة لجبران خليل جبران بعنوان العواصف على ما أذكر
فيها يهاجم الفكر المسيحي على اصراره تصوير المسيح بشكل الإله المصلوب وتجسيد الضعف البشري ا
اعتقد أن كلمات جبران اكثر تعبيراً ودقة في وصف الفكرة من كلماتي .. فعليك بها
إرسال تعليق