مرّ عامٌ وأكثر على انطلاق الثورة في سوريا، اليوم، وبالنظر إلى ما استطعنا تحقيقه منذ عام وحتى اللحظة، نستطيع أن نلاحظ أننا ومنذ فترة طويلة، لا زالنا مراوحين في ذات المكان، أو لم نحقق التقدّم المرجو منها، مقارنة بما تم تحقيقه في الشهور الثلاثة الأولى.
الكثير من العوائق، الأخطاء، الهفوات، والعبثيّة واللامسؤولية تخلّلت الثورة مؤخراً، انطلاقاً من غوغائية السلاح، وانتهاءً بثقافة الاستجداء والاستعطاف المتّبعة، لغوياً وثقافياً.
فيما تبدو المشكلة الأكبر في الثورة اليوم، هي ذلك الانقسام الواضح والمخيف في الحركة الاحتجاجية، فانتقل القطب (المعارض - المعارض) من حالة الحوار والاختلاف، إلى الصراع والاختلاف، ولا نستطيع اليوم التظاهر بالصدمة والتفاجؤ ممّا وصلنا إليه في هذه الحالة، فحتى الأمس - والقصد قبل انطلاق الثورة- كان المجتمع السوري وإشكاله الأكبر يومها هو الآخر، وتقبّله، ووجوده، وحينها لم يتمكّن لأحدٍ ما أن يصل لنتيجة ما بخصوص هذه القضية، بحيث أنها لا تكون مجحفة لهذا «الآخر»، فلطالما كان المواطن يختبئ بنرجسيّة لخوفه من الآخر، ملغياً كلّ أحكامٍ للعقل والمنطق متقوقعاً على نفسه.
هذا الصراع مع قضيّة «الآخر»، يعود إلى الواجهة بقوّة، تستطيع أن ترى الآخر طائفياً، والآخر عقائدياً، والآخر إقليمياً، والآخر إثنياً، والآخر فكرياً، وبالطبع الآخر الذي يسكن فينا وخوفنا الأكبر منه.
أقليّة وأكثريّة
تداول هذا المصطلح كان واضحاً منذ البداية، منذ الأيام أو الأسابيع الأولى، ولم يكن يشكّل أية خوفٍ حينها، إلا أنه بعد مجزرة كرم الزيتون -الثانية-، صار مجرّد ورود هذه العبارة يشكّل رعباً للقارئ أو المستمع لها.
أنا بشكلٍ ما، أنتمي لا إرادياً لأقليّة وأكثرية في ذات الوقت وفقاً لتاريخ العائلة، بالمقابل لا أرى نفسي مرتبطاً بأيٍّ جماعة منهم، «ثورة الحرية والكرامة» هذا الاسم الذي أطلق على الثورة السوريّة، وتم العمل به منذ أيامها الأولى، لذا، كونها ثورة حريّة قبل الكرامة، أرى بأن حريّتي لن تكون مكتملة، بل هي تهيؤات مشوّهة عن الحرية إن قوقعت نفسي ضمن أيّة جماعة، ومنها الأقليّة، لست بحاجةٍ لأيّة تطمينات، بالمقابل لست مضطراً لتقديم أية تطمينات.
ما يحدث في الشارع اليوم هو ثورة فقط، وليست مناقصة.
بالمقابل، تهميش وإلغاء أية أقلية، سواء كانت دينية أم عرقية، وإن كانت لا تمسّني بشكلٍ شخصيّ، فأنا أجد نفسي مطالباً بحمايتها، ولو كان ذلك على حسابي، ولو كان أيضاً على حساب حياتي.
الإشكال البارز مع مصطلح «أقليّة» هو ربط «نسف» هذه الأقليّة بالعلويين، هذا الأمر الذي لا يمكن تجاهله، أو تمريره ببساطة، نحن اليوم نتحدّث عن أشخاص لهم ارتباطات دينيّة، ذات الارتباط لباقي الأقليّات والأكثريّات، هم أيضاً لهم عادات، لهم تاريخ، لهم حضارة، لهم ما يكون لأيّ شعب.
وبشكلٍ شخصيّ، هم جزء من عائلة لم تنجبني، إلا أني أعرفهم لأكثر من خمسة عشر عاماً، لذا أجد نفسي اليوم مضطراً أن أضع نفسي بموقع الضحيّة، قبل أن يُمسّ أحدٌ منهم - أو من غيرهم- بسوء.
ثقافة الاستجداء المثاليّة
لطالما أتحفتنا صفحة «الثورة السورية ضد بشار الأسد» بهذه الثقافة بمعظم أسماء الجمعة المقترحة فيها أو المعتمدة، ناسين أو متناسين، أن هذه الثورة يقوم بها الشعب السوري، وهي بالنتيجة موجهة للداخل، بينما تصرّ الصفحة ومؤيديها على إعلاء صوت الاستنجاد بالعرب والمسلمين تارة، وبالغرب والمجتمع الدولي تارةً أخرى، على الرغم من إدراكهم التام بأن هذا الاستجداء هو ليس أكثر من مجرد استنزاف لطاقة القائمين على الصفحة، فيما يبدو تأثيره السلبي الواضح على الشعب، هو الصدمة الرومانسية نتيجة هذه الأسماء، مما يسبب إحباطاً نفسياً لفئة الشعب الثائر.
عن السلميّة والتسليح والأخلاق المدفونة ما بينهما
يفترض أن نكون مدركين ان هذا النظام لن يسقط بإحصائية تبيّن مَن مِن الأطراف خسر جنوداً أكثر، إنما هو سيسقط فقط حين تثبت الثورة أنها الأكثر أخلاقيّة في الصراع المستميت بين نظامٍ وشعب، ولكن -للأسف- منذٌ عامٍ وأكثر.. وحتى هذه اللحظة، لم تزل هناك الكثير من الأصوات المرتفعة والمسموعة تسعى جاهدة لتؤكّد عدم خلوّ الثورة من اللاأخلاقيّة.
النظام لن يسقط بسقوط عدد كبير من قوات جيشه أو الأمن، خاصة إذا ما وضعنا بعين الاعتبار الفرق الشاسع بين بالعدد والقوّة في التجهيز التي يملكها النظام، وما يملكه الجيش الحر.
كما لا يخفى على أحد أن النظام اليوم لم يزل قويّاً، فقد جزءاً كبيراً من هيبته وقوّته، لكنّه لم يزل واقفاً، أيضاً الشارع لايقلّ عنه ثباتا، لكن جرّ الحراك إلى السلاح هو إنهاكٌ للحراك قبل أن يكون إنهاكاً للنظام، خاصةً أن النظام لا زال مسيطراً على معظم مفاصل الدولة (شبكات الريّ والكهرباء، والأجهزة الأمنية والعسكرية، التجارة، الاقتصاد، بالإضافة إلى الخزينة).
قوّة النظام أيضاً مستمدّة من حالة الصراع الداخلي في الحراك نفسه، إقصائية التسليح للحل السلمي، الصراع في الوسط السلمي حول تعريف السلميّة وأدواتها، وأخيراً «الجيش الحرّ» والحالة التي خُلق منها والحالة التي آل إليها، لم يكن يوماً أحدٌ ضدّ الجيش الحرّ حينما كان هذا الجيش هو «الجيش الحرّ يحميني»، لكن اليوم - بالنسبة لي على الأقل- فقدت جزءاً كبيراً من هذه الثقة بالجيش الحر، فلا يستطيع أحدٌ ما أن يعرف هذه القذيفة أو الرصاصة ممن قد تأتيه بالضبط،
أيضاً الحالة الانتقامية الواسعة المنتشرة في الشارع، فكما يوجد قصفٌ عشوائيّ من النظام، يقابله قصفٌ أخلاقيّ من دعاة التسليح والعسكرة، إقصاءٌ للآخر، يصل إلى حدّ التجييش ضده. متناسين أيضاً، أن الثورة وصلت إلى هنا، بفضلّ حلولٍ سلميّة بحتة.
هذه الحالة الانتقامية طالتني شخصياً بشكل مباشر، منذ أسبوع تقريباً تم بخ اسم والدتي على جدار بيتي وبعدها «عواينية»، ذلك وبغض النظر عن صحّته لامرأة ستدخل عامها السبعين قريباً، فإن الضرر فيه يتمثّل بارتباط اسمي بعائلتي، مما يخلق من حالة الاختلاف هذه تخويناً وزعزعة للثقة مع جميع الأشخاص المرتبط بهم في الشارع.
أخيراً.. من شروط النجاح التام لأي ثورة، هو الاكتفاء بثورة واحدة، دون الحاجة لثورات مضادة، أو ثورات تكميليّة لها، الحل يكمن بالأخلاقيّة المهنيّة إعلامياً، هذا ما جعلنا الكثير من النشطاء الإعلاميين نفتقده في الثورة، تزوير كثيف لمقاطع شهداء، استعارات بالمئات لصور من مجازر غزة مثلاً لإلصاقها باسم سوريا، وكأن الأخيرة تعيش بخيرٍ وسلام حتى يكونو عاجزين عن نشر الصور الحقيقية لما يحصل فيها، - شخصياً كمواطن واحد من أصل 24 مليون، حتى اليوم فقدت 5 أشخاص من عائلتي و17 شخصاً بالمجمل من أصدقائي- بالإضافة إلى العشرات منهم من المعتقلين، وأعلم جيداً أن هناك أشخاص فقدو العشرات وربّما المئات من الأقارب والمعارف، مما يعني حتماً بأننا لسنا بحاجة للاستعارة، فلدينا من المآسي والضحايا ما يكفي ليغطي عشرات الثورات، ليس ثورة واحدة فحسب.
أخيراً، يجب التنويه بأن هذه التدوينة ضمن إطار مسيرة التعصب والتطرف والإقصاء فهي نابعة من شخصٍ متطرّف للحل السلميّ، فقد الكثير من الأشخاص، ولم يزل مصرّاً على اتباع الحل السلميّ، ولو كانت التكلفة أكبر لكنّها لن تكون أكبر مما كلّفه الحلّ المسلّح، كما تجد الإشارة إلى أن أبواب الشتائم مفتوحة دائماً.

0 تعليقات:
إرسال تعليق